ابن كثير
97
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أغنى عن إعادته هاهنا وللّه الحمد . وقوله تعالى : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء ، ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء . وقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أي مهما أمركم به فافعلوه ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه ، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر . قال ابن أبي حاتم : حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن العوفي عن يحيى بن الجزار عن مسروق قال : جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت : بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة « 1 » ، أشيء وجدته في كتاب اللّه تعالى أو عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : بلى شيء وجدته في كتاب اللّه وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قالت : واللّه لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول . قال : فما وجدت فيه وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ؟ قالت : بلى . قال : فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة « 2 » ، قالت : فلعله في بعض أهلك ، قال فادخلي فانظري ، فدخلت فنظرت ثم خرجت قالت : ما رأيت بأسا ، فقال لها : أما حفظت وصية العبد الصالح وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [ هود : 88 ] . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا عبد الرّحمن ، حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه هو ابن مسعود قال : لعن اللّه الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق اللّه عز وجل ، قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت ، قال ما لي لا ألعن من لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفي كتاب اللّه تعالى ، فقالت إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته ، فقال إن كنت قرأته فقد وجدته أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت : بلى . قال : فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نهى عنه . قالت : إني لأظن أهلك يفعلونه ، قال : اذهبي فانظري فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا ، فجاءت فقالت : ما رأيت شيئا ، قال : لو كان كذا لما تجامعنا « 4 » . أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري . وقد ثبت في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه » « 5 » وقال النسائي : أخبرنا أحمد بن سعيد ، حدثنا يزيد ، حدثنا منصور بن حيان عن سعيد بن جبير » ، عن ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا على
--> ( 1 ) الواصلة : هي التي توصل شعر بشعر غيرها زورا وكذبا . ( 2 ) النامصة : هي تنتف الشعر من وجهها . ( 3 ) المسند 1 / 433 ، 434 . ( 4 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 59 ، باب 4 ، ومسلم في اللباس حديث 12 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 2 ، ومسلم في الفضائل حديث 130 .